الرأي والتحليل

وهج الفكرة.. أنس الماحي يكتب: لماذا تساعد أمريكا إسرائيل؟؟ (1)

لم يكن خبر استقالة وزير الخارجية الهولندي احتجاجًا على موقف بلاده من العدوان الإسرائيلي على غزة ولا تحذيرات الأمم المتحدة من المجاعة في القطاع، سوى حلقة جديدة في سلسلة الانتقادات الدولية المتصاعدة ضد إسرائيل، لكن اللافت وسط كل ذلك هو أن واشنطن ورغم كل ما ارتكبته إسرائيل من جرائم في غزة، لا تزال تقدم لها الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي غير المشروط، والسؤال لماذا تصر الولايات المتحدة على الوقوف خلف إسرائيل، رغم أن التاريخ يشهد أن تل أبيب لم تتردد في خيانة واشنطن في أكثر من موقف؟؟
( 2 )
خيانات لا تُنسى من الجانب الاسرائيلى لأمريكا، فلا يخفى أن إسرائيل لم تكن يومًا الحليف “الوفي” لواشنطن. فمنذ حادثة تدمير المدمرة الأميركية “ليبرتي” في ستينيات القرن الماضي، مرورًا بتسريب تل أبيب أسرارًا عسكرية وتكنولوجية إلى الصين، ووصولًا إلى التجسس المباشر على الجيش الأميركي نفسه، فإن سجل إسرائيل مليء بالتجاوزات بحق شريكها الأكبر ، وحتى في الملفات السياسية، لم تتردد إسرائيل في رفض جهود أميركية عديدة للتوصل إلى سلام في الشرق الأوسط، وهو ما كبّد واشنطن ثمنًا باهظًا على مستوى صورتها وعلاقاتها بالعالم العربي.
( 3 )
قد دفع ذلك بالجنرال ديفيد بتريوس القائد السابق للقوات الأميركية في أفغانستان، للتأكيد أمام مجلس الشيوخ أن الغضب العربي من الدعم الأميركي لإسرائيل يقوض العلاقات الأميركية مع حكومات وشعوب المنطقة، ويمنح إيران والجماعات المتطرفة أوراق قوة إضافية
( 4 )
رغم ذلك كله، لم يتوقف الدعم الأميركي والسبب في ذلك لا يرتبط فقط باعتبارات “الأخلاق” أو “الوفاء”، بل يرتبط بمصالح استراتيجية واقتصادية عميقة. فمنذ حرب الأيام الستة عام 1967 تحولت إسرائيل إلى قاعدة متقدمة للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط. فقدمت واشنطن الدعم المالي والعسكري الضخم، فيما لعبت إسرائيل دور “الشرطي المحلي” الذي يحقق للولايات المتحدة نفوذًا واسعًا دون الحاجة إلى تدخل مباشر.
( 5 )
فإسرائيل بالنسبة لواشنطن ليست مجرد “دولة حليفة”، بل هي ذراع استخباراتية وعسكرية متقدمة، وقاعدة لتجريب أحدث الأسلحة، وسوق ضخم لشركات الدفاع الأميركية. فالمليارات التي ترسلها الولايات المتحدة سنويًا لإسرائيل، تعود في النهاية إلى مصانع السلاح الأميركية، كما حدث في صفقة طائرات الـ F-35 التي دفعت ثمنها المنح الأميركية نفسها.
( 6 )
ولا يمكن تجاهل البعد الديني والسياسي في الداخل الأميركي. فالجماعات الإنجيلية ترى أن قيام إسرائيل وسيطرتها على فلسطين تمهيد لعودة المسيح الثانية، وهو ما يمنح الدعم لإسرائيل بعدًا عقائديًا لدى ملايين الأميركيين. كما أن قوة اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، الذي وصفه باحثون بارزون مثل “مميرشايمر” و”والت” بأنه أحد أكثر جماعات الضغط تأثيرًا في العالم، ساهم في ترسيخ “العلاقة الخاصة” بين الطرفين.
(7 )
واليوم، ومع إعلان الأمم المتحدة رسميًا تفشي المجاعة في غزة، وتوثيق دمار المستشفيات والمدارس وحتى الأفران يقف العالم في مواجهة مأساة إنسانية غير مسبوقة. لكن واشنطن، ما زالت ترفض الدعوة إلى وقف إطلاق النار، مكتفية بمطالبة إسرائيل بـ”هدن إنسانية مؤقتة” لإدخال الغذاء والماء.
( 8 )
هذه السياسة ليست استثناءً بل استمرار لنهج أميركي تاريخي يقدّم الحسابات العسكرية والاستراتيجية على الاعتبارات الإنسانية. والنتيجة أن إسرائيل تواصل عدوانها غير المسبوق على غزة وهي مطمئنة إلى أن الدعم الأميركي سيبقى حاضرًا، مهما ارتكبت من جرائم أو أحرجت شريكها الأكبر أمام العالم.
( 9 )
إذن، تدعم واشنطن إسرائيل ليس لأنها حليف وفيّ، بل لأنها أداة استراتيجية، قاعدة عسكرية متقدمة، وسوق استثماري مربح لشركات السلاح. أما الخيانات السابقة لإسرائيل، فتبدو بالنسبة لصناع القرار الأميركي “تفاصيل صغيرة” مقارنة بالمكاسب الجيوسياسية والاقتصادية والدينية التي تجنيها الولايات المتحدة من استمرار هذه العلاقة.
( 10 )
لكن الثمن الباهظ لهذا الدعم المطلق تدفعه واشنطن في مكان آخر صورتها الدولية، وعلاقاتها مع شعوب المنطقة، وأخلاقيتها المعلنة كمدافع عن حقوق الإنسان. وما يحدث في غزة اليوم قد يكون أخطر اختبار لهذه “العلاقة الخاصة” التي امتدت لأكثر من نصف قرن.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى